أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
206
العقد الفريد
وخطبة للحجاج قال مالك بن دينار : غدوت للجمعة ، فجلست قريبا من المنبر ، فصعد الحجاج ثم قال : امرؤ حاسب نفسه ؛ امرؤ راقب ربه ؛ امرؤ زوّر « 1 » عمله امرؤ فكر فيما يقرؤه غدا في صحيفته ويراه في ميزانه : امرؤ كان عند همه آمرا ، وعند هواه زاجرا ؛ امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام « 2 » جمله ، فإن قاده إلى حق تبعه ، وإن قاده إلى معصية اللّه كفّه . إننا واللّه ما خلقنا للفناء ، وإنما خلقنا للبقاء ، وإنما ننتقل من دار إلى دار . خطبة الحجاج بالبصرة اتقوا اللّه ما استطعتم . فهذه للّه وفيها مثوبة . ثم قال : « واسمعوا وأطيعوا » . فهذه لعبد اللّه وخليفة اللّه وحبيب اللّه عبد الملك بن مروان ، واللّه لو أمرت الناس أن يأخذوا في باب واحد وأخذوا في باب غيره ، لكانت دماؤهم لي حلالا من اللّه ، ولو قتل ربيعة ومضر لكان لي حلالا . عذيري « 3 » من هذه الحمراء « 4 » ، يرمي أحدهم بالحجر إلى السماء ويقول : يكون إلى أن يقع هذا خير . واللّه لأجعلنّهم كأمس الدابر ؛ عذيري من عبد هذيل ، إنه زعم أنه آمن عند اللّه ، يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب ؛ واللّه لو أدركته لقتلته . خطبة للحجاج بالبصرة حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إن اللّه كفانا مئونة الدنيا وأمرنا بطلب الآخرة فليته كفانا مئونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا . ما لي أرى علماءكم يذهبون ، وجهّالكم لا يتعلمون ، وشراركم لا يتوبون ؟ ما لي أراكم تحرصون على ما كفيتم ، وتضيّعون ما به
--> ( 1 ) زوّر عمله : حسّنه . ( 2 ) الحطام : الزمام . ( 3 ) العذير : النصير . ( 4 ) الحمراء : العجم لبياضهم .